recent
أخبار ساخنة

سر الزمن في القرآن: هل نعيش في ماضٍ قد انتهى؟

الصفحة الرئيسية

سر الزمن في القرآن

الزمن... ذلك اللغز المحير الذي نعيشه بكل تفاصيله، لكنه يظل أعقد مما نتصور. فهل هو خط مستقيم يسير إلى الأمام فقط، أم أنه متداخل بحيث يمكن أن نعيش في ماضٍ قد انتهى أو مستقبل قد قُضي أمره؟ ولماذا يتحدث القرآن الكريم عن أحداث ستقع في المستقبل لكنه يصوغها بزمن الماضي وكأنها قد حدثت وانتهت، مثل يوم القيامة؟ فهل قامت القيامة بالفعل ونحن نعيش في الماضي؟ 

سر الزمن في القرآن: هل نعيش في ماضٍ قد انتهى؟
سر الزمن في القرآن: هل نعيش في ماضٍ قد انتهى؟

هل حياتنا كلها مكتوبة مسبقًا أم أننا مخيرون في مصائرنا؟ أسئلة كثيرة تُثير العقول وتدفعنا للغوص في عمق المفاهيم الإلهية عن الزمن والقدر. فهل نحن نعيش حياتنا لأول مرة، أم أنها مجرد مشاهد مسجلة تُعاد أمام أعيننا؟وكيف رأى النبي صلى الله عليه وسلم أناسًا يُعذَّبون في النار أثناء رحلة الإسراء والمعراج؟

الزمن بين المفهوم البشري والتصور الإلهي

الزمن من أعقد المفاهيم التي واجهها العقل البشري، فهل هو خطي يسير إلى الأمام فقط، أم أنه متداخل بحيث يمكن أن نعيش في ماضٍ قد حدث بالفعل أو مستقبل قد قُضي أمره؟

تأخذ هذه الأسئلة بعدًا أكثر عمقًا عندما ننظر إليها من خلال النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، حيث يتحدث القرآن الكريم عن أمور مستقبلية بصيغة الماضي، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في رحلة المعراج أناسًا يُعذَّبون أو يُنعَّمون قبل يوم القيامة. فما دلالة ذلك؟ وهل نحن نعيش في واقع كُتب مسبقًا؟

الزمن في القرآن الكريم

تأمل معي قصة الحياة التي نعيشها من خلال هذه الآيات الكريمة، حيث يقول الله عز وجل:
"قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون" (الأنعام: 31).

وفي آية أخرى:  "ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا" (الكهف: 49).

من خلال هذه الآيات، نلاحظ أن الله عز وجل يتحدث عن مشاهد وأحداث ستقع في المستقبل، ولكن بصيغة الماضي، وكأنها قد وقعت وانتهت. فلماذا لم يستعمل القرآن الكريم صيغة المستقبل لأحداث لم تقع بعد؟

يقول الله تعالى:  "أتى أمر الله فلا تستعجلوه" (النحل: 1). كان يمكن أن يقول: "سيأتي أمر الله فلا تستعجلوه"، ولكن الصياغة جاءت بالماضي. فهل هذا لأن المستقبل عند الله واقع لا محالة؟

الفرق بين فهم البشر وعلم الله الأزلي

بمنظورنا البشري المحدود، نعتبر أي فعل يحدث الآن "حاضرًا"، وأي فعل انتهى "ماضيًا"، وأي شيء لم يحدث بعد "مستقبلًا". لكن الله عز وجل، صاحب العلم المطلق، لا يحده الزمن، فهو يرى كل شيء بوضوح تام.

على سبيل المثال، عندما نقرأ سورة المسد، نجد أن القرآن الكريم قد حدد مصير أبي لهب وزوجته، وهما لا يزالان على قيد الحياة:
"تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى نارًا ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب، في جيدها حبل من مسد" (المسد: 1-5).

قد يتساءل البعض: كيف يحدد القرآن نهاية شخص لم يمت بعد؟ ولماذا لم يحاول أبو لهب تكذيب القرآن بإعلان إسلامه ولو ظاهريًا؟ لكن مع ذلك، لم يُسلم أبو لهب، ومات كافرًا، مما يدل على أن القرآن وحيٌ من عند الله، وأن المستقبل عنده هو ماضٍ محقق.

المستقبل في علم الله: يقين لا شك فيه

الحياة الدنيا تمضي وفق نظام زمني نعرفه نحن البشر، حيث نقسم الزمن إلى ماضٍ عشناه، وحاضر نعيشه، ومستقبل ننتظره. غير أن الزمن عند الله عز وجل مختلف تمامًا عن الزمن الذي ندركه. فالله سبحانه يعلم الغيب، والماضي والمستقبل بالنسبة له سواء، إذ لا يحده زمان ولا مكان.

المستقبل عند الله كالماضي والحاضر

عندما يتحدث الله في القرآن الكريم عن أحداث مستقبلية بصيغة الماضي، فإن ذلك يدل على يقين وقوعها، لا محالة. فقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى:  "غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ" (الروم: 2-4)

هذه الآية نزلت في وقت كانت فيه الروم مهزومة أمام الفرس، لكن الله أخبر بنصرهم بعد سنوات قليلة، وهو ما تحقق بالفعل. وهذا دليل على أن ما يخبر به الله سبحانه وتعالى أمر محقق، لأن علمه مطلق ومسبق، وهو سبحانه يرى كل شيء منذ الأزل.

يوم القيامة في القرآن: حقيقة حتمية

في القرآن الكريم، ورد ذكر يوم القيامة بصيغة الماضي رغم أنه لم يقع بعد، مثل قوله تعالى: "وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ" (الزمر: 68) ، وهذا يدل على حتمية وقوعه، إذ لا شيء يعجز الله، وكل شيء في علمه كأنه قد حدث بالفعل.

علم الله والقضاء والقدر

من المسائل الكبرى التي يدور حولها النقاش قضية القضاء والقدر، وهل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟ القرآن يثبت أن الله يعلم كل شيء مسبقًا، كما قال سبحانه: "وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ" (يس: 12) ، ولكنه في الوقت ذاته يمنح الإنسان حرية الاختيار، كما في قوله: "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" (الإنسان: 3) ، فالبشر يملكون حرية الإرادة، لكن ضمن علم الله السابق، فلا يحدث شيء إلا بعلمه وإرادته.

ضرورة الاستعداد ليوم القيامة

بما أن كل ما أخبر به الله سبحانه وتعالى عن المستقبل واقع لا محالة، فمن الحكمة أن يستعد الإنسان ليوم القيامة، وأن يسعى لرضا الله بالعمل الصالح. قال تعالى: "فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا" (الكهف: 110)

الفائدة

إن إدراكنا لحتمية وقوع ما أخبر به الله، سواء في الدنيا أو في الآخرة، يعطينا طمأنينة وثقة في وعد الله. فعلم الله سابق لكل شيء، ولا يعجزه شيء، وكل شيء مقدّر عنده. فالسعيد هو من أدرك هذه الحقيقة وعمل بها، وسعى لما يرضي الله في دنياه، استعدادًا ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
google-playkhamsatmostaqltradent